ثائر الطاهر
كاتب و محلل سياسي فلسطيني
قال تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
صدق الله العظيم
منذ نشأت حركة الاخوان المسلمين في مصر في اواخر عشرينيات القرن الماضي وهي تعاني من عدة ازمات نتيجة تحالفات اقامتها مع جهات تنظر لها الأمة العربية بعدائية. فتحالف الاخوان المسلمين مع الاحتلال البريطاني و الملك فاروق أضاع عليها فرصة ثمينة لتقود الثورة نتيجة السخط الشعبي ، و بدل من الاصطفاف مع الشعب اختار الاخوان حينها الطريق الأسهل و هو الاصطفاف مع النفوذ و المال. وفي فلسطين، منذ انشاء جماعة الاخوان المسلمين رسمياً عام 1945، عملت قياداتها على عدم ازعاج الانتداب البريطاني بل تعاونت معه لضرب المجاهدين وهذا تسبب في اقصائها وطنياً فخسرت هذه الحركة فرصة أخرى لتقود الغضب العربي و الانقلابات و الثورات التي نتجت عن النكبة.
و في الخمسينيات و الستينيات، اختارت جماعة الاخوان المسلمين مهادنة البلاط الملكي الأردني، الأمر الذي استغله المغفور له الملك الحسين حسن استغلال فمنع شرور هذه الحركة عن بلاده مقابل عدد من الوظائف الحكومية. و في السبعينيات بلغت ذروة العزوف الاخواني عن النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي لدرجة أن الجماعة كانت تعاقب كل من كان له علاقة من عناصرها بالعمل الوطني بدعوى أن الدولة الاسلامية المنشودة يجب أن تقام على أسس اجتماعية معينة و أن الجماعة تولي جهدها الكامل لذلك. و الأفظع من ذلك أن حركة الاخوان المسلمين بنت علاقات حميمة مع الاحتلال الاسرائيلي و خاصة فرعها في قطاع غزة الذي لاقى دعم الادارة المدنية لانشاء المجمع الاسلامي بترخيص اسرائيلي عام 1977 حين ترأس الشيخ احمد ياسين هذا المركز الذي شكل نقطة انطلاقة حركة حماس بعد ذلك بعشرة سنوات. وبهذا تكون حركة الاخوان مرة أخرى اختارت الطريق الذي نبذه الشعب.
و حتى يومنا هذا، فإن الدلائل الواقعية البعيدة عن الفبركة الاعلامية تشير الى أن حركة حماس ما زالت تسير على نهج الحركة الأم، الاخوان المسلمين، في خلاف الطريق الذي اختاره الشعب. لكن الاختلاف الوحيد بين مستوى فضح هذا النهج سابقاً و حالياً هو أن حركة الاخوان المسلمين تمتلك 39 محطة تلفزيونية فضائية أهمها قناة الجزيرة و تتحكم بعشرات الصحف و المجلات و المواقع الالكترونية مما سهّل عليها تقمّص دور المقاومة في الوقت الذي استخدمت فيه حماس مشاركتها في المقاومة لفترة زمنية محصورة بين 1993-2003 من أجل الاستعانة بالاحتلال الاسرائيلي لافشال الحلول السياسية التي تُضعف طهران و لتوجيه ضربات عسكرية للسلطة الوطنية و حركة فتح بهدف اضعافها و جر المنطقة برمتها الى الهاوية السياسية و الفوضى ليتاح لها المجال للعب دور أكبر يخدم مصالح المتحكمين من القيادات الدينية الشيعية في ايران. ولا احد ينكر انجاز حماس في هذا المجال بدليل فوزها كتلتها في الانتخابات التشريعية بأعلى الأصوات.
لكن حركة حماس لم تستطيع أن تسير في نهج الشعب و ارادته بسبب طبيعتها الايديولوجية و ارتباطها الوجودي مع حركة الاخوان المسلمين و تحالفاتها مع ايران و دولة قطر المقربة من اسرائيل و الولايات المتحدة. فبدل من خدمة مصالح الشعب الذي انتخبها، قامت حماس بحرمانه من الرواتب لمدة تسعة أشهر خلال حكومة اسماعيل هنية الأولى بالرغم من توفر الأموال لديها للإيفاء بالتزامات حكومتها، هذا بالاضافة الى رفض حماس تقديم موازنة حكومتها الى يومنا هذا لتبقى مدخولاتها و مصروفاتها و الى أين ذهبت في حُكم المجهول. و بعد ذلك قامت بنكث اتفاقية مكة ارضاءاً لطهران و الدوحة، الحلفاء المفروضين عليها من الحركة الأم، و قامت بالانقلاب الدموي بخلاف رغبة الشعب و رغم المعارضة الجماهيرية الشديدة لمثل هذه الخطوة. و في فترة الانقلاب التي ما زلنا نعاني منها، قامت حماس بفرض الأتوات، و شرّعت تهريب الكحول و المخدرات و العاهرات الشقراوات الى قطاع غزة،و قامت بمطاردة و قتل عدد كبير من المقاوميين المجاهدين في سبيل الله و فلسطين،و منعت حماس الناس الصلاة في الساحات العامة، و منعت حجاج بيت الله الحرام من السفر لاداء الفريضة في العام الأول من الانقلاب، و فرضت مفاهيمها الاجتماعية عنوة ، و استدرجت اسرائيل لضرب القطاع ظناً منها أن ايران ستنقذها و سترتفع أسهمها في الشارع العربي فدفع أهل غزة بارواحهم ثمن مغامرات حماس، و بعد ذلك، ما تزال حماس تقف عائقاً أمام اعادة اعمار القطاع لأن الأموال ستصل عن طريق السلطة الشرعية للشعب الفلسطيني و حماس لا تريد ذلك، ثم أفشلت قيادة حماس في دمشق مفاوضات صفقة تبادل الأسرى بسبب تعنتها و تمسكها بأوامر ايرانية على حساب الأسرى الفلسطينيين و أدى ذلك الى استقالة محمود الزهار من لجنة التفاوض في هذا الشأن. كما ترفض حماس اجراء انتخابات رئاسية و تشريعية، و هو الأمر الذي يريده الشعب بإصرار. ثم بدأت فضائح الفساد المالي و الأخلاقي و حتى الشذوذ الجنسي و الاغتصاب بالظهور على الملاء في قضايا تُكشف يومياً أبطالها من قيادات الصف الأول و الثاني و الثالث في حماس في القطاع و دمشق. و مع كل هذا اشتدت حرب التصفيات الداخلية في حماس التي برز منها محاولة كتائب القسام اغتيال اسماعيل هنية و استقالة مسئول داخلية حماس و اختفائه على إثرها. و كل هذا و حماس ترفض التوقيع على وثيقة المصالحة التي قامت حركة فتح بالتوقيع عليها بالرغم من أن الوثيقة تُعطي لحماس ما لا تستحق على حساب حركة فتح.
لكن هذه الفضائح أخذت لوناً جديداً يوضح تورط قيادات حمساوية في التخابر مع الاحتلال الاسرائيلي، فجاءت جريمة اغتيال الشهيد محمود المبحوح الذي قالت تقارير أمنية أنه كان يزور الامارات العربية المتحدة للتحقيق في استثمارات مالية بلغت مئات الملايين لصالح قيادات حمساوية مثل خالد مشعل و موسى ابو مرزوق و محمد نزال و العلمي و خليل الحية و غيرهم. الأدهى من ذلك ثبوت تورط قيادة حماس في دمشق في جريمة الاغتيال التي نفذها الموساد الاسرائيلي. و هذه الحقيقة تسببت في حالة غضب كبيرة في القيادة الايرانية الأمر الذي استدعى ذهاب مشعل الى طهران لتأكيد الطاعة لمن ولاه سابقاً ب'أمر المسلمين' أي خامنئي. و تدخلت قطر في القضية وذهب اميرها و وزير خارجيتها (الذي يملك قصراً في مدينة هرتسليا تحرسه الشرطة الاسرائيلية) من أجل منع شرطة دبي من الكشف عن المزيد من المعلومات حول تورط قيادة حماس في دمشق بجريمة الاغتيال. الى أ، اخبار اعتقال القائد الحمساوي نهرو مسعود و فرار مرافق الشهيد البحوح الى طهران و كتمان قيادة حماس على هذه الحقائق تؤكد أن هناك المزيد سيتم كشفه في الأيام القليلة القادمة.
و كشفت الايام القليلة الماضية مستوراً آخراً كان بمثابة الضربة القاضية لمصداقية حركة حماس. فخرج مصعب حسن يوسف مسئول مالية حماس في الضفة الغربية و حلقة الوصل بين قيادة الحركة في الضفة و خالد مشعل ليعترف أنه عميل للمخابرات الاسرائيلية و أنه سلّم عدد كبير من قيادات الانتفاضة لاسرائيل كان ابرزهم مروان البرغوثي و عبد الله البرغوثي، كما اعترف أنه ارشد جيش الاحتلال الاسرائيلي الى أماكن تواجد قيادات كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح الأمر الذي ادى الى اغتيال العشرات منهم، وغير ذلك من معلومات ادت الى مئات الاعتقالات و احباط عدد كبير من العمليات النوعية ضد الاحتلال كان ابرزها محاولة اغتيال شمعون بيريز.
كل هذه الفضائح المتتالية الموثّقة بالأوراق و المقابلات التلفزيونية و غيره ما هي الا جزء صغير من ما تحتويه جعبة حماس من فضائح لم يكن يتصورها أكره الناس لهم. و هكذا تؤكد حماس يوماً بعد يوم أن ولائها للخارج ليس شعار بل و اقع، و تعاونها مع الاحتلال ليس ادعاء بل حقيقة، و هدفها الأول هو الوصول الى المنصب بدون أية اعتبارات و ضوابط وطنية، و الأهم من ذلك أن الحركة التي تتخذ من الدين الاسلامي الحنيف غطاءاً لها هي في واقع الأمر ابعد ما يكون عنه و عن مبادئه و قيمه و أخلاقه، فكم آية قرآنية نهت بالمقطلق عن ما قامت و تقوم به حماس من أعمال، و كم آية قرآنية و حديث نبوي شريف ينبذ القائمين بها؟
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
صدق الله العظيم
|
عدد التعليقات 4 |
|
عدد التعليقات 0 |
|
عدد التعليقات 11 |